أمين الحافظ.. صديق “الجاسوس” رئيساً

عن ظهور “أبو عبدو” الذي لا يتحدث في السياسة

صبحي حليمة:

مع بدء بث مسلسل “الجاسوس” عن الرواية الإسرائيلية “المؤسطرة” لحياة ايلي كوهين، اهتمت مواقع إعلامية عربية بنشر مواد ومقالات تستعيد محطات وشخصيات من التاريخ السوري، ولعل القاسم المشترك بين غالب تلك المواد، افتقارها لمرجع دقيق أو حتى غير دقيق، لتلك الفترة، التي سبق وأطلق عليها مؤرخ روسي، اسم “مرحلة الغموض”، ما بين انقلاب الثامن من آذار، وانقلاب حافظ الأسد، بسبب غياب أي أدبيات أو وثائق يعتد بها حولها، ولعل مرد ذلك لحرص “اللجنة العسكرية” “التي قامت بانقلاب آذار”، على سرية مشروعها، الذي كانت أولى خطواته التخلص من الفاعلين الأساسيين في الانقلاب ذاته، واستبدالهم بآخرين، أشد ولاء، أو اكثر ضعفاً، وتاليا مشروع “صلاح جديد” المغرق في الانعزال عن المحيط العربي والعالم، والمغرق داخليا في غموض استدعى اعتماد شخصيات بلا فاعلية، كـ”واجهات”، ينفذ مشروعه من خلالها، وأحد تلك الشخصيات وليس أهمها بالتأكيد، كانت شخصية الرئيس الذي حمل لقب “الجحش” بشكل علني، حتى انه شخصياً لا يعترض ولا يضايقه الأمر، كما علق على ذلك في “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة، إنه الرئيس أمين الحافظ، الشخصية الأبرز حين الحديث عن الجاسوس ايلي كوهين، بوصفه الصديق الذي تسلل كوهين عبره الى داخل سوريا وقيادتها.

ظهور أمين الحافظ:

أواخر العام 1956 تم تشكيل ما سمي “مجلس القيادة العسكرية الأعلى”، وهو التشكيل الذي خرج باقتراح “الوحدة الاندماجية” مع مصر، وقبل التوجه إلى القاهرة، تم اختيار عدد من الضباط ومنهم “أمين الحافظ” لتوسعة المجموعة، وكان الحافظ من ضمن 14 ضابطا سافروا برفقة الملحق العسكري المصري، العقيد عبد المحسن أبو النور، ليقدموا “سوريا” لجمال عبد الناصر على طبق “الوحدة”، وكانت أولى نتائج هذه الوحدة، أن قام عبد الناصر بطرد أو تسريح أولئك الضباط، لكونهم ناقشوه في الوحدة، وهذا دليل على أنهم يتحدثون في السياسة، فيما استثنى أمين الحافظ من التسريح لأنه على عكس الباقين “لا يتحدث في السياسة”، وفي ذلك إضاءة واضحة عن الرجل.

وتم نقل الحافظ ليخدم في قطعة عسكرية في الإقليم الجنوبي/ مصر، وبعد حين قام عبد الناصر، “بنفيه” إلى الأرجنتين بصفة “ملحق عسكري”، رغم أن المناورات المشتركة لم تكن قائمة، وليس هناك جسر جوي لنقل المعدات العسكرية بين البلدين.

السبب الذي اختير الحافظ من أجله عضوا في “مجلس القيادة العسكرية الأعلى”، هو ذاته الذي أدى لاختياره للانضمام إلى أول حكومة بعد انقلاب الثامن من آذار بقيادة “اللجنة العسكرية” عام 1963، وهو على الأرجح، ما جعله رئيساً، لكن ليس علينا أن نتسرع ونصف السبب بالمصادفة، فما وصلت إليه سوريا اليوم، يؤكد أن شيئاً لم يحدث مصادفة، وأن الأشياء ليست كما تبدو دائما، وهي بالتأكيد ليس كما يصورها إعلام، لا يهدف للوصول الى الحقيقة، بل لمجرد مواكبة الحدث، حتى لو كان حدث “بث مسلسل تلفزيوني جديد”.

استدعي من الأرجنتين كرمى لعفلق:

عند نجاح الانقلاب، لم يكن موقف البعث، وتحديدا ميشيل عفلق (وآخرين) متفقاً تماماً مع ضباط “اللجنة العسكرية” التي كان محركهم الأساسي، ضابط برتبة رائد، هو صلاح جديد، اختار ان يتولى بعد الانتصار، وظيفة متواضعة، هي إدارة شؤون الضباط، فيما بذل جهدا كبيرا لدى القيادة القومية لحزب البعث وعفلق تحديدا، لضمان اعتراف الحزب باللجنة العسكرية، وبالتالي اعتبار الانقلاب “عهدا بعثيا”، إلا أن عفلق تردد في الموافقة، ووضع شروطاً، (ودفع الثمن باهظا لاحقاً)، وكان من شروطه استدعاء العميد أمين الحافظ من الارجنتين، وضمه الى المجموعة الحاكمة، ووافقت اللجنة العسكرية فورا، لحاجتها الماسة لغطاء البعث، وتم استدعاء الحافظ فعلا، ليشارك في الحكومة.

انقلاب علوان بداية صعود الحافظ:

في تموز 1963 قام جاسم علوان الناصري بمحاولة انقلاب، على العهد الجديد، بعد اكتشافه خديعة اللجنة العسكرية، التي يفترض أنها قامت ضد “الانفصال”، بدوافع “وحدوية”، واعتمدت بشكل أساسي على الضباط الناصريين، لكنها منذ الدقيقة الأولى أثبتت عكس ذلك، فتم التخلص من الضباط الناصريين، بين اعتقال وطرد ملاحقة، إضافة لان الخط العام كان مناقضا للوحدة والناصرية، بل ويذهب في اتجاه مختلف تماما.

فشل انقلاب علوان، لان المخططين ضموا الى صفوفهم أحد الموالين للجنة العسكرية، والذي استمر بالخديعة ذاتها، “ادعاء الناصرية”، مسقطا جاسم علوان ورفاقه في الفخ ذاته مرتين. وما كان يمكن “لنظام الحكم” أن يتساهل مع فعلة “علوان”، “وستثبت الأيام اللاحقة، أن المعيار هو الولاء المطلق، أو نحرق البلد”، وكان سحق “العلوانيين” المحطة الأولى لتداول اسم أمين الحافظ ليس بوصفه “وحشاً”، كما تفترض الأحداث، بل بوصفه “واجهة”، ورغم أنه كان وزيرا للداخلية، لكنه واجه الانقلاب (العسكري) بأقصى القوة، (مما أدى لمقتل عدد من الضباط، واعتقال أعداد كبيرة منهم) لدرجة احتجاج وزير الدفاع آنذاك، “محمد الصوفي” واستقالته، وعلى الأثر جرت حملة تسريح واسعة في صفوف الضباط، الصقت بالحافظ، رغم أنها خارج صلاحيته القانونية، وخارج نفوذه.

صلاح جديد اختار إدارة شؤون الضباط عامدا، وبدأ على الفور بتحضير قوائم التسريح والطرد، لمجموعة كبيرة من الضباط، بدعوة أنهم انفصاليون، ثم تابع المهمة ذاتها، بعد حركة علوان، ولكن بتهمة أنهم ناصريون هذه المرة، فيما كان على أمين الحافظ أن يتحمل المسؤولية شعبياً، ولدى “المواد الصحفية والمقالات الحالية” التي تضفي على الحافظ ما ليس فيه.

سحق الانقلاب على الرئيس وانقلب عليه:

كان على انقلاب علوان أن ينجح لكي يكون ذريعة، لكنه فشل، فقامت اللجنة العسكرية، ببساطة “بإنجاحه” نظرياً، على الأقل لتضليل أهدافه، فالانقلاب قام ضد الطغمة العسكرية الحاكمة، وليس ضد الرئيس الصوري “لؤي الأتاسي”، الذي لا يعرف لماذا استلم منصب رئاسة الجمهورية، ولم يعرف لماذا أقيل، (مع اتفاقنا أن الأتاسي من الشخصيات الوطنية العظيمة) فتمت الإطاحة به، وعين بدلا عنه بطل سحق الانقلاب عليه.!!! في حالة غرائبية، عجيبة، وبات “أبو عبدو الجحش” رئيساً للجمهورية.. (المفارقة أن كل شخصيات الحدث العلواني، كانوا يصنفون كناصريين، “الأتاسي والحافظ، وعلوان”).

المحطة الأولى كانت سحق جماعة علوان، لكنها لم تكن سوى مقدمة لما يمكن إلصاقه بأبو عبدو، طالما أنه ارتضى أن يكون رئيسا، مثلما ارتضى اللقب الذي اكتسبه شعبياً، وربما أبعد. ولعل كل من المحطات التالية تحتاج وقفة بمفردها، ليس لغناها بالأحداث “الجسام”، بل لما تتضمنه من اختلافات في الروايات والرؤى، لكن من يعرف سوريا تلك الآونة، يعرف أن كل الرؤساء في حقبة “الغموض”، كانوا خارج الفعالية في الواقع، مثلما كانت شخصيات عامة أخرى، لم يكن وجودها أكثر من ديكور خارجي، للمخطط بالغ التعقيد، نعيش تداعياته منذ ثماني سنوات ونصف.

لن نقف هنا عند قصة كوهين، وهي ككل قصص بلادنا، مفعمة بالروايات غير المؤكدة، ولن نقف عند الصداقة التي جمعته بالرئيس العتيد، وحكاية زيارته للجبهة التي دحضها عبد الهادي البكار بالدليل والاعتراف، في كتابه أسرار السياسة العربية، واستشهد بذلك الحافظ في برنامج شاهد على العصر، لكن تلك الحكاية، لا زالت متداولة كحقيقة مثبتة، ليس شعبياً، بل واعلامياً، ولدى بعض كتاب التاريخ أيضا، وما من كاتب كتب حول الحافظ او كوهين أو المسلسل، إلا وزج معلومة “زيارة الجبهة” كحقيقة، رغم نفيها الجلي، وما ذلك سوى تجل بسيط.. للخفة التي نتعامل من خلالها مع تاريخنا، ولما نعرف عن ذاك التاريخ، وما يمكننا أن نعرف.

هل كان لقاء الجاسوس مصادفة حقا..؟

لا شك أن في حدث “ظهور” أمين الحافظ، مجموعة مشاهد تبدو مصادفات، ومنها أن يكون الحافظ ملحقا عسكرياً في أبعد بلد عن سوريا حرفياً، وأن يلتقي هناك بجاسوس لم يجد الموساد بلدا أبعد، ليرتب له صداقة مع موظف “منفي”، يفترض أنه دون أي أهمية أو فاعلية.. هل كان الموساد غبيا لدرجة أن يُبّعد عن خياراته بلداناً مثل تركيا و قبرص وأوروبا بشرقها وغربها، ويذهب إلى أقاصي الأرض، لينشئ علاقة مع ضابط منفي حرفيا..؟ أم أننا نذهب في نظرية المؤامرة بعيدا مع محاولة قراءة احتمالات كهذه..؟

اترك رد

scroll to top