الحضارة و قيمة الانسان

القاضي محمد نور حميدي

تنزلق الإنسانية بمرور الزمن إلى سلوكيات تبدو للوهلة الأولى أنها بعيدة المنال و يستحيل تطبيقها لتناقضها مع قيمنا وأخلاقنا، ثم لا يمضي وقت حتى تعتبر هذه السلوكيات من الأمور الطبيعية، وما عداها شاذا أو متخلفا ففي الغرب ولفترة غير بعيدة كانت الاباحة الجنسية قبل الزواج أو الشذوذ الجنسي أمرا غير مقبولا، أما الآن فقد أصبح حقا انسانيا ونمطا طبيعيا ومن أبرز القيم التي تتعرض
لهجمة غير مسبوقة هي إنسانية الإنسان وقيمته في الحياة والتي قدستها الشرائع الالهية كافة وهذه الهجمة تتجلى بالقتل والاغتيال والمذابح الجماعية والتي تورطت بها دول تدعي الرقي والحضارة وقد كرم الله الإنسان بقوله:”لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”.
ومن أبرز تلك الصور
1-إهدار الحياة الإنسانية تحت شعارات مزيفة كحرية المرأة بجسمها وحريتها ألا تحمل جنينا لا ترغبه حيث صدرت تشريعات إباحة الإجهاض رغم أن شرعنا الإسلامي قد صان حق الجنين في الحياة، حيث منع إعدام المرأة الحامل حتى تضع حملها مهما طالت مدة الحمل وكذلك ما فعله الرسول عليه السلام مع المرأة الغامدية. وقد علق أيضا قسمة التركة إذا مات الزوج وزوجته حامل حتى يحجز للجنين نصيب ذكرا أو أنثى. وهذا الأمر لايزال يطرق أبواب بلادنا بشدة من قبل علماء وأطباء مؤيدين لحق الاجهاض محاولين تبرير الاجهاض بقوله تعالى:”لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده”.

2-القتل بدافع الشفقة أو رصاصة الرحمة، فقد بدأت على شكل حالات فردية وتطورت إلى حركة نشطة كان دعاة الإجهاض أكثر أقطابها. فالإنسان في عصرنا قد أصبح يعبد عقله ومنطقه وهواه من دون الله، وهذه الحركة الداعية للقتل الرحيم تتمسك بحق الإنسان في إنهاء حياته، والذي ينطوي عليه تخليص المريض الميئوس من آلامه وحقه في ميتة كريمة. وأنه حق على الطبيب تنفيذ رغبة مريضه وهذه الحركة تجد سبيلها في البلاد التي ينكرون وجود الله وتعتبر بمثابة طلقة مصوبة في وجه التقدم العلمي الذي يسعى العلماء المتخصصين جاهدين إلى إيجاد العلاج للأمراض المستعصية كالسرطان وغيره. وهؤلاء الدعاة يتجاهلون أن الصبر على الألم فيه ثواب عند الله حيث ورد في الحديث الشريف
“ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فيما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها”.

3-تجسيم الحياة الإنسانية والتعامل معها كشيء وليس كقيمة وتتجلى هذه الصورة بإقدام قسم من الشباب بوضع أبويه في مشفى للرعاية متذرعا أن هذا التصرف يجعل حياته الأسرية أكثر انتظاما، بحيث لم يعد فيها مكان لأمه أو أبيه، وهذا يتناقض مع ما ورد بشرعنا الذي مجد الأبوين
وكرمهم أشد تكريم، وفي هذا المجال أتذكر قولا لأحد المستشرقات الألمانيات”يكفيكم فخرا يا نساء المسلمين، كلما تقدم بكم السن زدتم قدرا ووقارا، على عكس نساء الغرب، كلما تقدم بهن السن اقترب وصولهن إلى دور العجزة”.
والمؤسف في الأمر، أن هؤلاء الدعاة يخططون و يثابرون ويجدون رغم قلتهم، بينما الأغلبية تتثاءب وتتمطى وتنظر وكأنها تشهد مسرحية. لذا يتوجب على الدعاة والمثقفين والعلماء في أرجاء المعمورة التصدي لمثل هذه الدعاوى بالهجوم المضاد والناشط للرد بقوة، وبالبرهان على تلك الترهات. و أن قرآننا فيه من البراهين مايسكت تلك الأفواه. قال الله تعالى “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن
أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.

اترك رد

scroll to top