همّ “سوريالي”

ياسر العيسى (كاتب صحفي)
من الجمل التي لا يخجل كثير من الأتراك من تكرارها في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي: لماذا لا يعود السوريون إلى بلدهم وقد انتهت الحرب؟.
من المؤسف أن هذا التعليقات، يبررها ويتقبلها بعض “السوريين الشرفاء” (وفق ما يطلقون على أنفسهم)، في الوقت الذي تلقى فيه رد فعل من بعض الأتراك (وهم قلة قليلة جداً جداً) عبر اتهام هؤلاء بأنهم يمارسون ذات العنصرية التي يشتكي منها الأتراك في ألمانيا.
إذاً من يقول للسوري: لماذا لا تعود إلى بلدك وقد انتهت الحرب (حسب اعتقاده)؟. أظن أن على السوري أن يجيب بسؤال: إن كانت القضية قضية انتهاء وجود حرب من عدمها.. فلماذا لا يعود الثلاثة ملايين تركي القاطنين في ألمانيا إلى بلدهم التي لا حرب فيها.. وماذا ينتظرون..؟!
المفارقة.. هل تعرفون كيف وصل الأتراك إلى ألمانيا؟ وما وجه التشابه الكبير بين حالهم وحال السوريين في تركيا؟.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي أعقاب الدمار الذي طال أغلب المدن الألمانية، ومع انخفاض اليد العاملة اللازمة، كان الحل باستقدام اليد العاملة من دول عديدة، ضمن برنامجٍ سمي “العمال الضيوف” أو “غاست اربايتر” (المسؤولون الأتراك دأبوا على إطلاق تسمية الضيوف على السوريين في تركيا.. وهذا مفارقة أولى).
المهم: هؤلاء الضيوف استقدموا من جنسيات مختلفة، بينهم الأتراك الذين تضاعف عددهم عشرات المرات خلال عقود ليتجاوز الثلاثة ملايين (20 بالمئة من مجموع الأتراك المقيمين خارج تركيا).
الأهم.. برنامج “العمال الضيوف” انتهى العمل به في سبعينيات القرن الماضي، ومع ذلك رفض أغلبهم العودة، بل استمروا في العمل لتمتلئ ألمانيا اليوم بأبناء وأحفاد “الضيوف”، وتصل نسبة الأتراك في ألمانيا من عدد السكان 3.7 بالمئة (أي نفس نسبة السوريين من عدد السكان في تركيا، والتي يراها الأتراك أنها كبيرة وتشكل مصدر خطر.. وهنا المفارقة الثانية).
أما أهم الأهم.. فهي أن الأتراك في ألمانيا رغم عدد السنوات الكبير، إلا أنهم تقوقعوا داخل مجمعات خاصة (المهاجرون الأتراك الأقل اندماجاً بالمجتمع الألماني وفق معهد برلين للسكان والتنمية)، ولم يبذل كثير منهم أدنى جهد لتعلم اللغة الألمانية (عدد كبير منهم حتى الآن لا يتكلم الألمانية).
مع ذلك مشكلة العنصرية ضدهم من قبل الألمان، والتمييز ضدهم في مجالات الإسكان والتوظيف والتعليم ما زالت إحدى أكبر همومهم (وهنا المفارقة الثالثة.. يمارس بعض أقرانهم الأتراك العنصرية ذاتها على السوريين في بلدهم).
طبعا قد تقولون: هم حصلوا على الجنسية.. الجواب هم لم يحصلوا على الجنسية إلا في تسعينيات القرن الماضي، أي بعد نحو 30 عاماً من إقامتهم كـ”ضيوف”، ناهيك عن أن من بين الملايين الثلاثة الموجودة الآن، النصف تقريباً لم يحصل على الجنسية بعد، ومع ذلك لا يقال لهم: بلدكم (تركيا) ليس فيها حرب.. لماذا لا ترحلون..؟!!

اترك رد

scroll to top