تقرير عن “كورونا بيه” في مدريد 25.3.2020

سامر تامر السيد سليمان

كتبت نوال السباعي :
فقدت الجالية في مدريد، البارحة، وفي فورة الحالة الكورونية ، ووصولها قمة المنعطف البياني للوباء، أحد شبابها، وهو من خيرتهم أدباً ونبلاً ودماثة خلق .
ربما لايشعر المرء بهول المصيبة إلا عندما تصبح قريباً من داره، أو في وسط رحله.
الفقد مصيبة ، وموت الشباب مصيبة، والثكل مصيبة كبرى، فكيف بنا، وأمه وحدها، وكان وحيدها، لم يستطع أحد أن يذهب إليها ليواسيها بسبب الحجر الكوروني، لم يستطع أحد أن يبكي معها، أن يربت على كتفها، أن يشاركها حلكة سواد هذه الليلة التي قضتها بعد أن تركت ابنها في المشفى ، ودّعته وذهبت بالعجز والانكسار والوحدة.
عندما يصبح الواتساب بيت الجدّ الذي يجتمع إليه المكلومون، والفيسبوك الوطن الوحيد الذي يلم الناس .. العاجزين عن توديع أحبابهم، أو مواساة الثكالى ، فكيف لا نستحضر سورية بكل آلامها العظيمة ..
بقايا تلك الصور محفورة كالأخاديد في جدران القلوب ، أجساد الشهداء، التي كانت تُلقى على الأرض بسبب الرصاص المنهمر على المشيعيين، الآباء الذين كانوا يدفنون أبناءهم في حدائق بيوتهم، اللافتات التي كان يرفعها السوريون : نريد ممرات آمنة لنستطيع دفن موتانا!
كيف لا تكون ماثلة أمام أعيننا ، دموع الأمهات وهن يدارين نحيبهن، كي لا يصل الصوت إلى الوحوش فينقضوا ليمزقوا أهل الشهيد؟؟!
كيف لا يقوم من الذاكرة، مشهد ذلك الأب الذي استدعوه ذات ليل من عام 1980، ليستلم جسد ولده الشهيد تحت التعذيب، وقالوا له إئت بسجادة، ليلف بها جسد ابنه، وليمضي به إلى المقبرة مع أخيه ليساعده في دفن أخيه! دفنا الشهيد تحت جنح الليل، وعادا ، التراب يعلو أحذيتهما وأكفهما ورموش أعينهما وجنبات روحيهما.. وأصبح الأب وقد اشتعل رأسه شيباً، ودُفِع بالولد الآخر ليغادر ذلك الوطن الخائن العاق القبيح، إلى غير رجعة!
كان ذلك الشاب طالبا في كلية الطب، كما معظم أبنائنا هنا في مدريد، حيث لا تكاد توجد أسرة واحدة، من الجالية المسلمة اللائذة بمساجد مدريد الرئيسية، من المغاربة والسوريين والفلسطينيين، إلا ولديهم ولد -واحد على الأقل- طبيب أو طبيب أسنان أو صيدلي ، بما يعنيه هذا، اليوم، من تواجدهم جميعهم ، في الصفوف الأولى، مع الطواقم الطبية ، في جميع أنحاء إسبانيا، يجاهدون مع الأطقم الطبية، كل في مكانه وعلى ثغره.
الخارج منهم اليوم، إلى المستشفى مفقود ، والعائد مولود.. منهك متعب مثقل بآلام الناس وجراحاتهم ووجع فقدهم أحبابهم.
قال لي ابني : لا ندري بمن نبدأ ، ومن نواسي، وماذا نفعل، وسورية حاضرة، في كل أنّة، في كل حشرجة، مع كل مصاب يختنق، في كل سرير أسلم فيه صاحبه الروح، لا نستطيع الإنفكاك عن “اللعنة السورية” .
يهتف إليّ ابن آخر طبيب، كان من تلاميذي، يقول : أنا خارج الآن إلى المناوبة ، وربما لا أعود يا خالة ، دُفِن أخانا للتو، لم نحضر جنازته، وأخشى مما ينتظرني في المشفى.
طبيبة أخرى، من بناتنا: لم تكلمني منذ سنوات، اتصلت اليوم ، وفي حالة وجوم وصدمة، قالت، لقد استدعوني إلى المشفى الميداني..لم تكن تشكو، ولا تريد نصيحة، كانت فقط تريد أن تتشارك معي لحظة الخوف والهول هذه .
عندما تتحدث إلى أم الفقيد، وتجدها كتلة من الصبر والاستسلام والألم، الأنيق، الرهيب، وهي لاتريد شيئاً، ولا أحداً، لأن أحداً لايستطيع أن يجلب لها أي شيء أو يصنع لها أي شيء .. فقط كان لديها طلب واحد: “الله يخليكم لا تخلوهم يحرقوه، مشان الله احكوا معهم أن يسمحوا لنا بالتعامل معه حسب أصول ديننا” ..
ذكرتني مناشدتها، بذلك الطفل الحلبي الذي فقد كل أهله في القصف، ولما بدأ يستفيق في المشفى، وهو مازال تحت تأثير المخدر، كان يصيح من أنتم، قولوا….. ، لأعرف من أنتم..كان خوفه على هويته، أكبر من هول ظنه بأنه فقد أهله، كان يخشى أن يكون قد وقع بين أيدي الظلمة!
نفس الخوف كان لدى هذه الأم الثكلى المفجوعة ، إنها سيدة لبنانية من أسرة لبنانية راقية، وابنها حمصي، قد جمعت من لبنان طرابلس وحمص سورية، كل أطراف النبل ودماثة الأخلاق والرقي والأناقة السلوكية الاجتماعية، وكرم الروح، الذي يتجاوز الكرم الذي يعرفه عامة الناس، في حياتها وفي تربية ابنها هذا .
الناس الذين لا يدندنون كثيراً بانتمائهم الديني، والتزامهم الحرفي الظاهري بالتقوى والعمل الصالح، هم أشد منّا إيماناً وتقوى وتشبثاً بهويتهم…
كانت تخاف على ابنها من الذوبان في زحمة ضحايا الكورونا!!
تم دفن سامر ” سامر تامر السيد سليمان ” قبل قليل في مدفن للمسلمين، الحمد لله، أن جعل له قبراً يمكن لأمه أن تلجأ إليه كلما هاجها الشوق لوحيدها.
اليوم، صدر قرار حكومي، بوقف عمليات تسليم الموتى لذويهم، لأن الدولة ستقوم بحرق كل الجثث ..بسبب عجز كل مرافق مراكز الخدمة في حالات الوفاة ، عن استيعاب أعداد الضحايا.
الجالية مكلومة تحت الحجر والقهر، ليس بسبب فقد هذا الشاب فحسب، ولكن بسبب وضع أمه.
الناس مكلومون، وهم يفكرون، كم من الأمهات كان هذا هو وضعهن في سورية؟ كم من الأمهات قتل أزواجهن وأولادهن بل وصغارهن أمام أعينهن في أقبية التعذيب؟؟
كم من الأهوال رأتها أعين نسائنا وأمهاتنا وبناتنا ورجالنا وشبابنا وأطفالنا في سورية؟؟
صلى الناس صلاة الغائب في بيوتهم على فقيدهم، لا غسل، ولا جنازة، ولا صلاة على المتوفى.. نحن نعيش أيام الكورونا، في زمن الكورونا..
ذكرني أنين الناس وعويلهم البارحة عبر الواتساب .. بأصوات استغاثات قوم فرعون، إذ نزلت بهم أنواع العذاب، وهم لا يفهمون ولا يستوعبون ولا يرعوون .. كان ذلك في فيلم “الإنجيل”، عن قصة فرعون موسى.. ولم يكن في الواقع فيلماً، كان شيئاً عظيماً جداً مما لا يمكن نسيانه أبداً بكل تفاصيله الهوليودية ، التوراتية والإنجيلية والقرآنية !
اللهم فهمنا، اللهم علمنا، اللهم أعنا على رفع المظالم فيما بيننا، ورد الحقوق، وإغاثة الملهوف، ورحمة المبتلى..
اللهم اغفر لسامر وارحمه ، فعلى مثله تبكي البواكي.
اللهم اربط على قلب أمه، وأنزل عليها السكينة، وآنس وحشة غربتها ووحدتها
عزائي لكل شباب وشابات الجالية الإسلامية في مدريد
اللهم ارفع مقتك وغضبك وسوط عذابك عنا.
25.3.2020
===.
* يذكر ان الشاب السوري سامر تامر السيد سليمان توفي جراء إصابته بفيروس كورونا في مدريد – اسبانيا و المرحوم من مواليد حمص 1991  وتم إدخاله يوم الخميس الفائت إلى المشفى وتوفي يوم أمس الثلاثاء، وكان المتوفى يعاني في الأصل من مرض الربو.

اترك رد

scroll to top