المعارضة السياسية السورية إلى التهميش !!!

 قال تقرير لمركز كارنجي للشرق الأوسط صدر أمس أن المعارضة المدنية – الوطنية في سورية واجهت تحديات داخلية وخارجية في مجال تشكيلها، وتجد نفسها اليوم عالقة في إطار متقادم لممارسة نفوذ هادف ووضع حدّ للصراع السوري .

و بين التقرير الذي كتبه الباحثان عمرو السراج و  فيليب هوفمان أنه منذ غُرّة الانتفاضة السورية، واجهت المعارضة المدنية- الوطنية (أي أولئك الناشطون والسياسيون الذين حظوا معاً باعتراف دولي بهم كبديل عن نظام الرئيس بشار الأسد) عقبات كأداء أمام احتمال تحوّلها إلى طرف وازن داخل سورية. فهي كانت غير قادرة على ممارسة نفوذ ذي شأن على شبكة مؤسسات الحوكمة المدنية المعقّدة وغير الشفافة التي انبثقت مع تتابع النزاع فصولا، كما كانت منفصلة عملياً عن الفصائل المسلحة التي أمّسكت بزمام الأمن في المناطق السورية الخارجة عن سيطرة الحكومة.

وفي حين أن مروحة من الجماعات السياسية والعسكرية شهرت سيف المعارضة ضد نظام الأسد، إلا أن عناصر الجناح المدني- الوطني في المعارضة تشاطروا تاريخاً أكثر تمايزا. إذ تضرب هذه المعارضة جذورها في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في تشرين الأول/أكتوبر 2005 الذي وقّعه ناشطون من كل ألوان الطيف السياسي تحت شعار الإصلاح السياسي. وبعد أن نشبت الانتفاضة في العام 2011، انضم العديد من المُوقعين إلى جماعة الإخوان المسلمين وشخصيات سياسية منفية أخرى لتشكيل المجلس الوطني السوري. هذا المجلس، وغيره من المجموعات الأخرى، حوّل نفسه لاحقاً إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي اتّخذ من إسطنبول مقراً له وعُرِف أيضاً باسم الائتلاف الوطني السوري، وكانت أداة الحوكمة فيه الحكومة السورية المؤقتة. كما ضمّت المعارضة السورية أيضاً هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهي مظلة تنظيمية شُكّلت بحفز من السعودية لتوحيد المجموعات السياسية السورية تحضيراً لمفاوضات السلام التي رعتها الأمم المتحدة.

لسنوات عدة، كان كلٌ من الأطراف السورية والدولية يشيرون إلى الجناح الوطني- المدني على أنه “المعارضة السورية”، مُبرزين بذلك أهميته المُفترضة. ولأن هذه المعارضة شاركت في خطة سلام لسورية أشرفت عليها الأمم المتحدة، وكانت تعود بأصولها إلى الحملة المدنية المديدة ضد نظام الأسد ولصالح الإصلاح، فهي تمتّعت بشرعية ولم تُواجه شكوكاً جدّية بها في بداية الانتفاضة. بيد أن تصاعد حدة الصراع العسكري في البلاد، وما رافقه من أزمات إنسانية، وتفاقم السمات الطائفية، خلق ديناميكيات همّشت على نحو متزايد الأبعاد المدنية والوطنية، ما أدى في خاتمة المطاف إلى التهميش الكامل للمعارضة السورية.

التحديات التي واجهتها المعارضة السورية

طيلة مسار النزاع السوري، ساهم العديد من العوامل في الحد من قدرة المعارضة المدنية- الوطنية على لعب دور فعّال كقوة سياسية يُعتد بها. من بين هذه العوامل قضايا تتعلّق بالمعارضة نفسها وخياراتها ومناحي قصورها، إضافة إلى مسائل تتّصل بالبيئة السياسية التي تنشط في سياقها والتي لا كبير سيطرة لها عليها. على سبيل المثال، لم تُبلور المعارضة المدنية- الوطنية قط أهدافاً استراتيجية واضحة، وكانت غير قادرة على التصدي بنجاعة لتحديات المنفى. كذلك، تعيّن على المعارضة أن تُباري وتنافس العديد من اللاعبين السياسيين المُنخرطين في الصراع ضد نظام الأسد، بما في ذلك الجماعات الإسلامية، فيما كانت هي في الوقت عينه تعاني من الأجندات المتباينة لداعميها الخارجيين.

التحديات الداخلية: الأهداف غير الواضحة وبلايا المنفى

منذ بداية النزاع السوري، كانت المعارضة المدنية- الوطنية تُحبذ إطاحة الرئيس بشار الأسد من السلطة، بيد أنها افتقدت إلى رؤية مفصّلة لسوريا مابعد الأسد، وإلى خطة عملية لتحقيق التغيير. كان هذا قصوراً فادحاً أثار الشكوك حول ما إذا كانت المعارضة بالفعل بديلاً يُعتد به للنظام السوري لديه فكرة واضحة عن النظام الجديد الذي يسعى إلى استيلاده.

في البداية، ركّزت المعارضة جهودها على تنفيذ بيان جنيف الصادر في حزيران/يونيو 2012، والذي كان كناية عن خطة من ست نقاط وصفها مجلس الأمن الدولي بأنها إطار لحل سياسي في سورية. بيد أن الأهداف العامة للمعارضة بقيت غامضة، وهذا يعود جزئياً إلى الأهداف المعلنة التي حددها البيان. إذ أن الوثيقة دعت إلى” هيئة حكم مؤقتة لها صلاحيات تنفيذية كاملة تُشكّل بموافقة متبادلة”. وقد اعتبر أعضاء المعارضة السياسية أن هذا الشرط يضمن لهم ممارسة حق النقض (الفيتو) على ما إذا كان الأسد طرفاً أم لا في السلطة الانتقالية1، الأمر الذي عزز هدفهم الأقصى وهو تغيير النظام برمته.

لكن، كان ثمة بعدٌ سلبي في اتخاذ هذا الموقف المُطلق حيال نظام الأسد من دون تطوير خيارات أخرى تحظى بمصداقية. إذ أن هذا قلّص التأثيرات التي كان يمكن أن تمارسها المعارضة حين أوحت للنظام بأنه لن يحصد شيئاً سوى الريح من المفاوضات. وكان نيقولاوس فان دام، السفير الهولندي السابق في الشرق الأوسط ومؤلف كتاب مهم للغاية حول سورية، قد ألمع إلى هذا القصور قائلا: “لم يكن ثمة مجال للعمل مع النظام في معجم المعارضة.2 كانت المعارضة، بتركيزها على مطالب تغيير القيادة وتطبيق إصلاحات شاسعة في المؤسسات الأمنية والعسكرية، تطلب عملياً من محاوريها في الحكومة السورية التسليم الطوعي لسلطة الدولة إليها. في المقابل، أدى رفض الدولة إسباغ الشرعية على المعارضة السياسية إلى توترات لاعلاج لها قوّضت أيضاً المفاوضات. كانت المعارضة مغرقة في التفاؤل بمدركاتها للدعم الدولي لها، وخلطت بين التبرير الأخلاقي لقضيتها وبين القوة السياسية الملموسة، وعجزت عن الإدراك الكامل “بأن كونك على حق شيء، وتحصيل هذا الحق شيء آخر مختلف تماما”.3

ترافق غياب الوضوح لدى المعارضة حيال أهداف سياسية قابلة للتحقيق مع مشكلة أخرى، هي أيضاً من قبيل الإيذاء الذاتي المُتعمد. فحين اختارت أن تعمل من خارج سورية، عزلت المجموعات المشكّلة للمعارضة المدنية- الوطنية نفسها عن الأطراف العسكرية داخل البلاد التي سيطرت بسرعة على الديناميكيات المتطورة للنزاع. علاوة على ذلك، ولأنها اعتُبرت بعيدة عن معاناة السوريين في الداخل، واجهت المعارضة بالتدريج مشكلة كبرى في حقل الشرعية. وكل ذلك جعل اليد العليا للقوى على الأرض في مجال تحديد المقاربة حيال النظام السوري، وكذلك حيال تلقّي المساعدات الخارجية.

وبالتالي، عجز ممثلو المعارضة المدنية- الوطنية، (سواء أكان مقرهم في إسطنبول كما المجلس الوطني السوري، ولاحقاً الائتلاف الوطني السوري، أو في الرياض كما الحال مع اللجنة العليا للتفاوض، أو في جنيف وجنيف وفيينا كما مع بعض مكاتب المعارضة)، عن إدخال تعديلات وازنة على مجرى النزاع أو على التسوية. والحال أن سلبيات المنفى أثّرت سلباً على أولئك الذين عارضوا في البداية نظام الأسد من داخل سورية، والذين استتبعتهم لاحقاً المعارضة المدنية- الوطنية خارج البلاد. كانت المعارضة السياسية غالباً ما تستوعب الناشطين من داخل سورية، وتوظّفهم للعمل في مؤسساتها وتبُعدهم عن السياق الذي كانوا ينشطون في إطاره. ونتيجة لذلك، وفي غضون أشهر قليلة، خسرت المعارضة كل اتصالاتها الداخلية على الأرض، ما جعل وجودها إلى حد كبير لزوم ما لا يلزم.4

ما كان أسوأ هو أن كل ذلك حدث في وقت كانت فيه الفصائل المسلحة والمجالس المحلية المؤقتة داخل سورية تباشر الاستيلاء على الإدارات الأمنية والمدنية في المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة. وقد شكّلت هذه الهيئات أقنية تمويل منفصلة مع المانحين الدوليين، مُقلّصة بذلك هيمنة المعارضة المدنية- الوطنية على التطورات على الأرض. مثل هذه الدورة سرعان ما باتت تُغذي نفسها بنفسها: فالتمويل الذي حصلت عليه المعارضة الموجودة في الداخل السوري، والتي كانت تُشكك أصلاً بصدقية معارضة المنفى كهيئة تنسيق، أدى إلى تحويل الموارد بعيداً عن المنفيين، ما همّش أكثر نفوذ المعارضة السياسية ومعها قدراتها التنسيقية.

التحديات الخارجية: تعدُد اللاعبين والأجندات الأجنبية

قبيل العام 2011، اتّسمت المعارضة السياسية في سورية بالانقسامات، والانتفاضة لم تفعل شيئاً سوى تضخيم هذا المنحى. وفي حين كان المُوقعون على إعلان دمشق، الذين جاءوا من مشارب أيدولوجية وطائفية مختلفة، يأملون بالتطور كي يصبحوا حركة سياسية مستقلة، إلا ان العديد من الشخصيات الرئيسة في الإعلان اعتُقلوا غداة التوقيع عليه. وفي الفترة بين 2006 و2008، غادر موقّعون أساسيون سورية، بعد أن منعتهم نزاعات داخلية وضغوط الدولة من خلق كيان يجسِّد مبادئ الإعلان، ما أدى إلى انشقاقات وانقسامات داخل صفوف المعارضة.

بعد انطلاق انتفاضة 2011، استمرّ هذا المنحى، مع تبنّي جماعات المعارضة مقاربات متباينة حيال النزاع المتصاعد. ففي دمشق، أسّست في البداية شخصيات معارضة هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي. ميّزت هذه الهيئة نفسها عن باقي مجموعات المعارضة من خلال رفضها لنفوذ كلٍ من المنظمات السياسية خارج سورية والقوى الأجنبية، وتبنيها مواقف اعتبرها أعضاء هيئات أخرى غير مقبولة ومُجاملة للحكومة السورية. وقد جهد الزعيم المعارض المخضرم رياض الترك وهيئة التنسيق بقيادة شخصية معارضة أخرى هي حسن عبد العظيم للاتفاق على برنامج مشترك. لكن، وكما يقول برهان غليون، وهو باحث يقيم في باريس سيصبح لاحقاً رئيساً المجلس الوطني السوري، ثبّطت الخلافات على الأدوار القيادية محاولات التعاضد هذه.5 وعلى رغم أن الضغوط الدولية دفعت المجلس الوطني وهيئة التنسيق إلى توقيع “الميثاق الوطني لسورية الجديدة” في العام 2012، إلا أن المعارضة السياسية فشلت في رص الصفوف على نحو يُعتد به. والبون الشاسع في مطالب الأطراف المؤسسة، والتي تراوحت بين الانتقال بعيداً عن الأسد وبين الإصلاحات التدريجية، حجبت فرصة بروز موقف تفاوضي موحّد.

هذا الفراغ مكّن أطرافاً أخرى من التحرك لملء الفراغ. وبعدها سرعان ما عزّز التصعيد العسكري مواقع الفصائل الإسلامية المسلّحة المشكلّة حديثاً، والتي أظهرت أنها الأفضل تنظيماً والأكثر قدرة من نظرائها غير الإسلاميين على تحقيق تنسيق وتعبئة وتجنيد واسع النطاق. وفيما كانت المعارضة السياسية تنغمس في لجج المناقشات حول جهود التوحيد في المؤتمرات الدولية، كانت الفصائل الإسلامية تتولّى السيطرة على المراكز السكنية الرئيسة داخل سورية وتُوسّع نفوذها في الحكومات المحلية المدنية. وهكذا، استلمت كيانات إسلامية، على غرار “إدارة الخدمة المدنية” التي شكّلتها هيئة تحرير الشام، وهي فصيل إسلامي رئيس في محافظة إدلب، زمام الأدوار التنسيقية بين المجالس المحلية في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة. هذه التطورات وضعت المعارضة المدنية- الوطنية في حيص بيص. إذ فيما أطلّ المانحون الدوليون على الفصائل الإسلامية وهيئات التنسيق المدني بكونها كيانات خطرة وتحركوا لمعاقبة الأكثر ظهوراً بينها، كان العديد من شخصيات المعارضة يعتقدون أن التحالفات التكتيكية مع مثل هذه الجماعات هي الوسيلة الوحيدة لمواجهة نظام الأسد على نحو فعّال.

هذه المقاربة المُلتبسة للمعارضة السياسية إزاء الفصائل المسلحة الإسلامية والهيئات المدنية (حيث دافعت عنها في البداية في وجه الانتقادات الدولية فيما كانت تواصل سراً التشكيك بها) أثبتت أنها كانت وبالاً على طموحاتها العامة. فمع سيطرة الجماعات الإسلامية على مواقع مُدّرة للمال والغنائم، كنقاط الحواجز والمحاكم وأقنية توزيع المساعدات التي شكّلت أساس هيكلية السلطة غير الرسمية في مناطق سيطرة المعارضة، باتت المعارضة المدنية- الوطنية بلا حول ولا قوة وعاجزة عن إثبات نفسها كبديل إداري عن نظام الأسد كما خطّطت في البداية.

المقاربات الأمريكية المتباينة خلقت توقعات زائفة في صفوف المعارضة
هذا الضعف تفاقم أكثر بفعل عدم اتساق المقاربة الدولية للنزاع، حيث خلق غياب الرد الموحّد والمتناغم للقوى الخارجية ارتباكاً واسعاً في صفوف المعارضة وعقّد جهودها للعمل على بلورة هدف مشترك. على سبيل المثال، على رغم أن روبرت فورد، السفير الأميركي لدى سورية في الفترة بين 2010 و2014 أوضح لشخصيات المعارضة بأن الولايات المتحدة لن تقوم بخطوات عسكرية، إلا أنه ومعه مبعوثون دوليون آخرون أبدوا دعمهم للاحتجاجات المتوسّعة في بداية الانتفاضة. وهم انضموا إلى المتظاهرين وشجّعوا الناس على المشاركة على رغم اشتداد عنف الحكومة السورية. مثل هذه التطورات ترافقت مع ما بدا أنه دعم دولي بالغ الأهمية. ففي آب/أغسطس 2011، التأم شمل ممثلي الحكومات في مجموعة أصدقاء سورية ودعوا إلى إطاحة الأسد، كما اعترفوا بالمجلس الوطني السوري على أنه “الممثل الشرعي لكل السوريين”.

لكن، وعلى رغم كل هذه الاستعراضات العاطفية الداعمة للمعارضة، بقيت الحكومات الغربية منقسمة حيال مدى نجاعة انتهاج هذا المسار. على سبيل المثال، فضّلت شخصيات وازنة في إدارة الرئيس باراك أوباما آنذاك، مثل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ديفيد بترايوس، التصعيد السريع لدعم الفصائل المسلّحة. وفي صيف 2012، حظيت خطتهم لتسليح المعارضة السورية بدعم البنتاغون وهيئة الأركان المشتركة. بيد أن أوباما رفض الخطة، ومال مسؤولون كبار في البيت الأبيض لصالح مقاربة أكثر تحفظاً، مُعربين عن شكوكهم بالمآل البعيد للمعارضة السورية.

أدّت مثل هذه المقاربات المتباينة إلى خلق توقعات زائفة في صفوف المعارضة. إذ تم تحميل بادرات رمزية أكثر مما تحتمل،6 كما أخطأت المعارضة حين سمحت للتفكير الرغائبي بتغشية فهمها لمُعطيات القوة الحقيقية.

علاوة على ذلك، فاقم الداعمون الإقليميون والدوليون للمعارضة السورية من مسألة غياب الوضوح هذه، من خلال طرح رؤى متباينة حول مايجب أن يكون عليه مستقبل المعارضة. فقد تصوّرت القوى الغربية عموماً هيئة سياسية ليبرالية عابرة للطوائف يُمكنها أن تبني وفاقاً حول الخطوط العامة لمرحلة الانتقال بعد الحرب. لكن الدبلوماسيين الغربيين بقوا عاجزين عن تحقيق ذلك، خاصة حين باتت المعارضة نفسها معزولة عن التطورات في داخل سورية وتتعرّض إلى ضغوط شديدة لتحديد موقف تفاوضي موحّد. على أن البلدان المؤيّدة للمعارضة في الشرق الأوسط، تبنّت أجندة أكثر تطرفاً وخلقت خيمة أوسع اعتقدت أنه يمكن للأطراف المعادية للأسد أن تلتئم تحت سقفها. بيد أن الجماعات ذات الانتماءات الطائفية والعنفية الواضحة التي دعمتها السعودية وقطر وتركيا في مراحل مختلفة، لم تفعل شيئاً سوى زيادة تحرّز الغرب من ربط نفسه بمراكز السلطة الريفية التابعة للمعارضة، ما فاقم أكثر التناقضات التي لطالما ابتُليت بها علاقات المعارضة السياسية مع داعميها الدوليين.

إخفاقات المعارضة المدنية 
في خاتمة المطاف، كان في وسع المعارضة المدنية- الوطنية حصر ثلاث إخفاقات كبيرة منعتها من فرض نفسها كلاعب ذي قدرة وفعالية:
الإخفاق الأول هو تشظيها التنظيمي. فعدم قدرة المعارضة على طرح مطالب واضحة وموحّدة وقابلة للتطبيق، حدّ من قدرتها على ممارسة التأثير. وحتى حين كانت هيئاتها تصدر البيانات التي تشدّد على أهمية الوحدة، نادراً ما تجسّدت هذه البادرات في جهود ملموسة لدمج مكونات المعارضة إداريا. وهذا القصور عكس وعمّق الأهداف غير الواضحة، لا بل في الحقيقة المتضاربة، حول مستقبل سورية مابعد الحرب.

الإخفاق الثاني هو أن المعارضة المدنية- الوطنية بالغت في تقدير قدراتها، مفترضة أن بادرات الدعم اللفظي أو الرمزي من قبل اللاعبين الخارجيين تتساوى مع النفوذ داخل سورية، وبالطبع الأمر لم يكن على هذا النحو قط. فعلى رغم أن الدعوات الإقليمية والدولية لدعم المعارضة جاءت غالباً في السنوات الأولى للنزاع، إلا أن الفصائل المسلحة التي تُسيطر على الأراضي داخل سورية لم تلُقِ بالاً لا للوضعية الدولية للمعارضة ولا لمحاولاتها أن تكون لها كلمة في التطورات داخل البلاد. وحين بدأت حظوظ المعارضة المسلحة بالتهاوي في العام 2016، لم يكن لدى الهيئات المُعترف بسيادتها اسمياً على كل القوات المناوئة للحكومة، أي أدوات عملية عدا الخطابات للتصدي لتقدّم القوات الحكومية.

الإخفاق الثالث هو أنه منذ انطلاق النزاع، فشل كلٌ من المعارضة المدنية- الوطنية وداعموها الخارجيون في الاعتراف علناً بالنفوذ الواسع للفصائل المسلحة الإسلامية. فقد سمحت القدرات التنظيمية العالية لهذه الفصائل بالاستيلاء على أراضٍ سورية، لكن عدم الاستعداد شبه الكامل للمعارضة المدنية- الوطنية للاعتراف بالنفوذ الحقيقي لهذه الجماعات، جعلها مُفتقرة إلى الوسائل أو الهياكل لمواجهة القوات الإسلامية على نحو فعاّل حالما أصبحت هذه الأخيرة جزءاً من الصراع. كان لمثل هذا العجز مضاعفات بعيدة المدى، لأن عدم قدرة المعارضة على مواجهة هذه الجماعات، عدا أيضاً عن ممارسة أي نفوذ عليها، جعلها هي نفسها تخسر دعم القوى الخارجية التي امتعضت من سلوكيات الإسلاميين.

مآل المعارضة المدنية- الوطنية

تجد المعارضة المدنية- الوطنية نفسها الآن أسيرة إطار عتيق لإنهاء النزاع السوري. فالوسطاء الدوليون، الذين لا زالوا عالقين في ذهنية تعود إلى سنتي 2011 و2012، عجزوا عن طرح عملية تسوية تشمل اللاعبين العسكريين الأكثر مسؤولية عن الأحداث في سورية. وهذا التناقض (أي طرح إطار سياسي لحل نزاع يُحدّده مقاتلون مسلحون) يجد جذوره في التهميش المبكّر للمعارضة المدنية- الوطنية، لكنه لايزال يؤثّر على الجهود الآيلة إلى تسوية النزاع السوري.

على رغم أن الفصائل المسلحة المُعارضة للحكومة وهيئات الحوكمة التابعة للمعارضة داخل سورية، ما عدا هيئة تحرير الشام، اتخذت خطوات مهمة نحو التوحّد منذ العام 2017، إلا أنها فعلت ذلك بفعل دعم مالي تركي شبه حصري. فتركيا، التي انخرطت في عملية إنهاء النزاع مع روسيا وإيران، أجبرت المعارضة السياسية على تجميد هدفها الأصلي الخاص بتغيير النظام. لكن، ومع استمرار هجوم القوات الحكومية على ماتبقى من قوات المعارضة في محافظة إدلب، جهدت تركيا لفرض ولو خط لوقف إطلاق للنار، واندفعت لبناء مواقع عسكرية جديدة لردع القوات الحكومية، فيما كانت فصائل المعارضة المسلّحة تتقهقر من أراضٍ لم تنِ تتقلص بسرعة.

طيلة المرحلة الأخيرة من النزاع السوري، بقيت المعارضة المدنية- الوطنية غائبة إلى حد كبير عن السمع والبصر، ومقطوعة عن الجماعات المنخرطة في القتال، وغير قادرة على تنسيق الحجم الهائل من المساعدات الإنسانية الضرورية لنجدة السكان المدنيين العالقين في إدلب. وسواء بقيت إدلب محمية تركية كأمر واقع أو سقطت بسرعة في أيدي الحكومة، فإن المعارضة السياسية تواجه خيارين أحلاهما مرّ: فهي إما أن تبقى ملتزمة بإطار التسوية المتفاوض عليها التي تخلّى عنها حتى داعمو مثل هذه الحصيلة، أو يمكنها التراجع عن هدفها الأصلي الخاص بتغيير النظام والمطالبة بإصلاحات تدريجية. ويشي غياب أي خيارات عدا هذين السيناريوهين بمدى محدودية قدرة المعارضة السياسية على فرض نفسها كلاعب لا غنى عنه في النزاع السوري.

اترك رد

scroll to top