العودة إلى زمن الانتداب

العودة إلى زمن الانتداب

 

أسيا القوتلي، كاتبة صحفية وباحثة سياسية

لا دخان من غير نار، لم تأت تصريحات وكالات إعلامية روسية قريبة من الكرملين تنتقد فيها إدارة الاسد للبلاد من فراغ حين تعرضت وكالات الانباء تلك لرأس النظام في سورية بنقد لاذع، وذلك بتاريخ السابع عشر من نيسان من العام الحالي، والذي يعرف الروس جيداً الدلالات الرمزية لهذا اليوم، فهو يوم الاستقلال الوطني للجمهورية العربية السورية، ومختصر هذه الانتقادات أن الأسد ونظامه فشلوا في إدارة البلاد والفوضى هي سيدة الموقف في سورية بعد عشر سنوات من الحرب.

هذا الدخان لم يأتي من العدم، ففي أروقة قصر القيصر( يفغني بريغوجين) طباخ الكرملين وناره الهادئه تضع لمساتها الأخيرة على الطبخة الروسية في دمشق. وبالعودة في الزمن إلى تاريخ 25 من شهر أيار/2020، حيث عقدت في تل أيب الاتفاقية الأمنيه (الأمريكية الروسية الإسرائيلية)، يصبح المشهد أكثر وضوحاً، اطلاق يد روسيا بالكامل في سورية، وإخراج إيران من المشهد السوري، هذا أبرز ما اتفقت عليه الدول الثلاث في تل أبيب، وما كان تعيين (الكسندر يفيموف) سفير روسيا السابق في الإمارات العربية المتحده و سفيرها في دمشق أيضا سفيرا فوق العادة، بالاضافة لتعينيه إن صح التعبير مندوب سامي جديد أو المبعوث الخاص لروسيا في سورية، معيدا للأذهان زمن الانتدابات في النصف الأول من القرن العشرين، ماكان إلا خطوة جديده في تطبيق بنود الاتفاقية الأمنية من جهه، ونتيجة إدراك بوتين أن فراغا ما سيحدث في سورية من جهه أخرى، ويجب عليه الانتقال من التمثيل الدبلوماسي إلى الحكم المباشر عن طريق مفوضه السامي الجديد في سورية.

موسكو تعي جيداً ضرورة حماية مصالحها في شرق المتوسط، وتعرف تماماً إنها ليست اللاعب الوحيد على الأرض السورية، هناك أيضا الأمريكان ومن خلفهم إسرائيل، بالاضافة إلى إيران وتركيا أيضا. المشهد السوري المعقد على الارض، رغم أن الروس حسموه عسكريا، إلا أن هذا الحسم يعيدنا بالذاكرة إلى تورط موسكو في المستنقع الأفغاني، وموسكو لا تريد تكرار هذه التجربة في دمشق أيضاً، ليس هذا فحسب، موسكو تخشى أيضاً من تكرار ما حصل في أوكرانيا، وتوجهها نحو التحالف الغربي، وواجهت ذلك باستعادة شبه جزيرة القرم وما تبعه أيضا من استنزاف روسي في الخاصره الأوكرانيه، ولا تريد موسكو تكرار ذلك في دمشق أيضاً.

ما كان تعيين الكسندر يفيموف مبعوثاً خاصاً لروسيا في دمشق إلا لأنها أصبحت متأكدة أن حليفها الأسد يتقن اللعب على الحبال بين الحضن الإيراني تارة، والروسي تارة اخرى، ولأن موسكو باتت تشعر بعد خمس سنوات من تدخلها العسكري في سوريا أنها لم تحقق شيئاً على الصعيد السياسي، لأن الأسد ومن خلفه إيران يعيقون ذلك، فجاء تعين الكسندر يفيموف كوسيلة ضغط وتهديد للأسد وإيران، وإشارة واضحة من موسكو أنها مصرّة على إطلاق العملية السياسية في سورية التي ماطل فيها مرارا وتكرارا، اقتصاد سوري منهار في الداخل، خلافات في الدائرة الضيقه المحيطة بالأسد، تصاعد التوتر في الشمال السوري، المشروع الكردي الذي ينظر إلى أبعد من البقاء ضمن الوحده الجغرافيه السوريه، كل ذلك دفع فلاديمير بوتين لوضع سورية تحت الوصاية أو الانتداب الروسي، معيداً بذلك حقبة الاحتلال المباشر.

اترك رد

scroll to top