الأذان العائد لإسبانيا بين الهوبرة و مجد الإسلام

الكاتبة نوال السباعي

كتبت : نوال السباعي

تقرير عن “كورونا بيه” في مدريد/ 26.3.2020:
…………………………………………………..
أصبحنا وأصبح الملك لله ..وأصبحت إسبانيا الدولة الثانية بعد الصين من حيث عدد ضحايا الكورونا، ووافق البرلمان ليلة البارحة على تمديد حالة الطوارئ 15 يوما أخرى، لا ندري إن كان الشعب سيلتزم بها ، بعد كل التفلتات والتجاوزات التي تحصل …
ووسط كل هذا الهرج والمرج -حرفياً- فوجِئنا… بأن “الإسلام” قد “عاد” إلى إسبانيا!! وأن “الأندلس” أعادت الأذان ليصدح في سمائها بعد 500 عام!! وأن هذا هو “الخير” الذي بداخل شرور كورونا!!!
فيديوهات تنهال علينا من كل حدب وصوب، وصياحٌ جنوني وخطبٌ رنانة تملأ النت، ومئات الرسائل بالإيميل والواتساب والفيسبوك، تصل للإستفسار عن صحة هذا الأمر !!!
أولا وقبل كل شيء، ولنفهم حقيقة ما يجري، يجب أن نعرف أن عدد سكان مدريد العاصمة العاصمة لا يقل عن 3.500.000 نسمة ، أما مدريد بضواحيها فلا نبالغ إذا دوّرنا العدد ليبلغ 7.000.000 .
ومساحة مدريد العاصمة التي تقع في وسط إسبانيا، تبلغ مايقارب 600 كم مربع، أما مع ضواحيها فيتضاعف هذا العدد ربما إلى ثلاثة أضعاف، على اختلاف المصادر .
يتكون ما يسمى “التجمع المدريدي الإداري” من 179 محافظة، 21 منها في مدريد العاصمة وحدها، والتي تحتوي 131 حياً ، في الحي الذي أعيش فيه والذي يسمى “حي البيلار” يبلغ تعداد السكان 60 ألف نسمة تقريبا ، 11% منهم من المهاجرين. حسب إحصائيات 2014.
كل حي من هذه الأحياء، وكل مقاطعة من مقاطعات مدريد، وكل محافظاتها الكبيرة أو الصغيرة، تعتبر عالماً قائماً بذاته، ضمن بوتقة مدريد الكبرى، التي تعتبر أكبر ثاني مدينة آهلة بالسكان في أوربا بعد مدينة برلين الألمانية.
أوردت كل هذه التفاصيل ، التي يمكن لأي منا أن يحصل عليها من آلاف المواقع الخاصة بمدريد على النت ، لأضع القاريء الفيسبوكي في الصورة ، صورة ضخامة المدينة ، ودقة تقسيمها الإداري والوظيفي، كما هو الحال مع كافة المقاطعات والمدن الإسبانية.
في مدينة كهذه يعيش ويتعايش السكان مع العديد من “””الأقليات””” والتي منها الأقلية المسلمة .. وهذا هو اسمها، الرسمي، والإداري، والسياسي …مهما انزعج “مثقفونا” من نسبة “الإسلام” إلى إسم جالياتنا !
فالإسلام هنا هو صفة إدارية تجمع كل أنواع الشعوب القادمة من مختلف أنواع بلاد المسلمين ، الإسلام هنا هو صفة حضارية تجمع وتميز، وأحيانا كثيرة ، تلصق بالمسلم صفة الإرهاب، بسبب الحملات الإعلامية الدائبة على الإسلام والمسلمين بين الحين والحين، وبسبب تصرفاتنا نحن كمسلمين، و””حيونة”” بعض مجانيننا ، ممن تمتطيهم أجهزة الاستخبارات العالمية ليكونوا أدوات للموت والتخريب هنا وهناك .
تتركز الجالية المسلمة ، المغاربية منها بشكل خاص في بعض أحياء مدريد الشعبية المركزية، وبعض أحيائها المهمشة نوعاً ما، ونفس هذا الوضع تعيشه الجالية الصينية شبه المنغلقة على نفسها، أما المسلمون ، وعلى اختلاف جنسياتهم وقومياتهم ولغاتهم و طوائفهم واتجاهاتهم السياسية والفكرية، فإضافة إلى تمركزهم في هذه الأحياء بدواعي الأعمال التجارية بالدرجة الأولى، فهم ينتشرون في جميع أنحاء مدريد، كما جميع أنحاء المدن الإسبانية ، وجميع أحيائها، كلٌ حسب وضعه الاقتصادي والاجتماعي، فتجدهم في الأحياء الغنية جداً، والتي لا يكاد يقترب منها المهاجرون إلا للقيام بوظائفهم فيها، وتجدهم في الأحياء ذات المستوى الاجتماعي العالي-المتوسط، وتجدهم في الأحياء الفقيرة والمعدمة ، وفي أحياء الصفيح الممتدة خارج المدينة ، كما هو الحال في كل عواصم العالم تقريبا.
هذا الوضع يعني فيما يعنيه، قدرة المسلمين على التعايش والاندماج مع وفي المجتمع الإسباني بشكل كبير، بصرف النظر عن رغبة هذا المجتمع على تنوعه السياسي والفكري والاجتماعي والاقتصادي ، في تقبل هذه الحقيقة.
لا يخضع المسلمون في إسبانيا لجهة إدارية واحدة، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه يمثل كل مسلمي إسبانيا وحده، فالتمزق والتشرذم، حالة مهمة وبشعة ، حملها المسلمون معهم من بلادهم، وفرضتها في بلاد الغربة ، الصراعات السياسية والفكرية بين الدول التي أتى منها هؤلاء المهاجرون، ومع الدولة الإسبانية نفسها.
ويتمتعون بحرية العبادة الكاملة ، وجميع الحريات القانونية والدستورية التي يتمتع بها الشعب الإسباني..لولا الحملات الإعلامية الدائبة عليهم، وكذلك حملات الكراهية ، التي تصدر بين الحين والحين من صناع الرأي من الصهاينة، أو من اليمين المتطرف، واليمين غير المتطرف كذلك.. والهدف من كل هذه الحملات كما ذكرته مرارا، وأثبته في كتابي مورا في مدريد، والزمن الثالث، الهدف: أن يجعلوا وجود المهاجر بشكل عام، والمسلم بشكل خاص، وجوداً مؤلماً، غير طبيعي، يمنعه على الدوام لسبب أو لآخر من أن يشعر بالانتماء إلى هذا المجتمع.
أمرٌ آخر بالغ الأهمية .. لا يمكن المرور عليه، لا يعجب الناس أن نكتبه ، أو أن نذكره، أو أن نخوض فيه، وهو ، أن “الأندلس” ..كحالة تاريخية حضارية مدنية بشرية سياسية وجغرافية ، قد انتهت!! وانتهت تماماً منذ ما يقارب المائتي عام ، وليس الخمسمئة عام!!
فلقد امتدت الثورات وأعمال المقاومة ضد حروب استرداد قشتالة ، وفظائع محاكم التفتيش ، إلى ثلاثمئة عام تقريبا.
ولم يعد هناك شيء يدعى “الأندلس” الماثلة في الضمير الجمعي للأمة المسلمة ، فقد صعدت إلى الواقع دولة جديدة تسمى إسبانيا .
ولم يتبق من تلك الحضارة الأندلسية التي ملأت أوربا نوراً وفتحت لها أبواب مدنيتها الحديثة فأخرجتها من قرونها الوسطى، إلا شواهد ما عمّر القوم ، وتركوا من آثار .
بالضبط، كما حصل في القسطنطينية ، التي سقطت بيد العثمانيين، ودالت دولة البيزنطينيين، وانتهت، ولم يبق منها إلا شواهد التاريخ، وما بقي في الذاكرة الجمعية للأمم الأوربية.
……………………..
الخلاصة : طلبت إدارة المسجد الكبير الواقع في إحدى ضواحي مدينة غرناطة، أن يرفعوا الأذان، خارج المسجد عبر المكبرات، تضامنا مع الشعب ، فسُمِح لهم بذلك.
وانتشرت دعوة في الانترنيت، للمسلمين، بأن يرفعوا الأذان من شرفات منازلهم، لنفس الهدف، قبل نصف ساعة من خروج الإسبان إلى موعدهم اليومي لتحية الأطقم الطبية ودعم بعضهم البعض على المقاومة وتحمل الحجر الصحي.
لم يستجب لدعوة رفع الأذان هذه، إلا مجموعة من المقيمين في حي واحد فقط في مدريد، وهو حي “لابابييس”، والذي يبلغ تعداد سكانه 45000 تقريبا، بينهم 23% ، من المهاجرين من جميع الجنسيات، حسب إحصائيات 2019، وحيث تتواجد جالية مغاربية كبيرة ، ومسجد هام، وأما بقية المسلمين في جميع أنحاء مدريد، فرأوا وبصورة فردية بحتة ، أي أن كل منهم اتخذ القرار وحده، أن ينتظموا ضمن مجموع الشعب الإسباني، ولا يخرجوا عن الإجماع الشعبي، لأن هذا أمر لا يأتي بخير.. فالمسلمون يُرفَع الأذان خمس مرات يوميا في بيوتهم ومساجدهم ، ولا يتدخل فيهم أحد، فلماذا يرفعونه وحدهم من دون خلق الله وقبل موعد التحية الشعبية الجماعية المحددة للجميع؟! والذي سيبدو وكأنه فرض حالة دينية خاصة على مجموع الشعب، في أيام وباء وموت جماعي وكوارث!!
هذه كانت وجهة نظر معظم الذين تحدثت معهم ، حول هذا الأمر، ومن كل الجنسيات الإسلامية.
وهكذا كان .
المسلمون كل في بيته يخرجون إلى الشرفات ، مع الإسبان، يُحييون الأطقم الطبية وأطقم الأمن وحفظ النظام والخدمات العامة، والتي هم جزء فاعل مشارك فيها وعلى كل المستويات، وخاصة الطبية، وقطاع النظافة.
أما الذين رفعوا الأذان من مسجد غرناطة -الممول بمساعدات مليونية، بسبب توجهاتهم الصوفية- ، والذي تديره مجموعة من المسلمين الإسبان، الذين يحلمون كثيرا بعودة الأندلس ، مع كامل احترامي لأشواقهم التاريخية ، والذين افتتحوا مسجدهم هذا في 2003 على أساس أنه عودة للإسلام إلى إسبانيا بعد 500 عام! علما أننا افتتحنا نحن أنفسنا كطلبة مسلمين في غرناطة -يوم كنت أسكن فيها- أول مسجد في أول الثمانينات، وسميناه مسجد عمر بن الخطاب، ومنذ ذلك الحين ، لم يتوقف افتتاح المساجد الصغيرة والكبيرة في كافة أنحاء إسبانيا، وكلما جاء قوم ليفتتحوا مسجدا كبيرا مزخرفا، قالوا أنهم يعيدون الإسلام إلى الأندلس بعد 500 عام!!!!
أما مسلمو حي “لابابييس” في مدريد، وربما حي آخر في برشلونة ، فقد صوروا رفع الأذان، ونشروا الفيديوهات، مع الخطب الرنانة بعودة الأندلس وعودة الأذان للأندلس بعد 500 عام!!! واشتعلت العواطف بالدغدغات والهوبرات والشوبرات الفارغة من أي حقيقة، أو معنى، أو أي شيء يمكن اعتباره إيجابياً، لا بالنسبة للإسلام ولا للمسلمين في إسبانيا ولا للشعب الإسباني!
“الأقلية المسلمة” في هذا البلد، جزء من نسيجه البشري، ووجوده الديمقراطي، جزء أساسي وهام ، رغم أن نسبتهم لا تتجاوز رسمياً 5% على أحسن الاحتمالات، بينما أرفعها -كصحفية وكاتبة- استناداً للأبحاث والدراسات ورسائل الدكتوراه المطروحة المتعلقة بالموضوع، وحسب أعداد الأطباء التي نعرفها -من العائلات التي تدور في فلك الجمعية الإسلامية والمركز الإسلامي في مدريد، وحدهما، يمكنك إحصاء أكثر من 200 طبيب وطبيبة من جيلين بالإسم والرسم- وما نراه بالعين المجردة، فإن نسبة المسلمين في إسبانيا لا يمكن أن تكون أقل من 15% من عدد السكان، وربما الفرق بين العددين، نابع من أن الحكومة تسجل أعداد المهاجرين المسلمين، ولا تأخذ بعين الاعتبار أعداد المولودين كمسلمين، ولا أعداد المعتنقين للإسلام، وهي أعداد ضخمة فعلاً .
الغالبية العظمى من الجالية المسلمة ، مسالمون مدنيون متعايشون بشكل ناجح مندمجون غير ذائبين في المجتمع الإسباني، يؤدون واجباتهم على أكمل وجه كمواطنين ومقيميين، ولا يسعدهم ولا يدغدغ عواطفهم، أن ينشقّوا عن المجتمع، أو يُحدثوا فيه شرخاً مجانياً ، يقوم على أساس دغدغة عواطف رخيصة، لإحياء دُول قد دالت، وحالات تاريخية وهمية ، عَمِلَت رثائية أبو البقاء الرندي، وغنائية نزار قباني .. على تركها ندبة في الأنفس لا تمحى أبدا.
لكن الفرق كبير، بين كونها ندبة للاستذكار والاستعبار والتفكر، وبين كونها نعرة لإثارة الأحقاد ، التي لاتكاد تهدأ في جانب، حتى نجد من يثيرها في جانب آخر.
من يريد استعادة أمجاد الإسلام، فليعمل بجد ومثابرة في واقعه ومجتمعه على إحياء أخلاق وحضارة وإنسانية الإسلام في نفسه وأسرته وناديه، وليبني ويستثمر في الإنسان الذي هو أسّ جوهر الحضارة والأمجاد مستقبلاً.. ولا يستحضرنّ أمجاد الماضي، ليسقطها على حاضر لا يمت إليها بصلة ، فإنها قد وجدت في كتب التاريخ للنظر والتفكر والتعلم ، لا لاستحضارها بين الحين والحين للتدمير والأذى، وفق التهويل وتمويه الحقائق.
و….حسبنا الله ونعم الوكيل

ملاحظة: هذه هي وجهة نظري الشخصية ، وأنا أعيش في إسبانيا، منذ 40 عاماً، خمسة منها في غرناطة ذاتها، ولكل وجهة نظره وخياراته وفهمه للأمور ..وللعلم حُرر.
نوال السباعي

اترك رد

scroll to top