اسبانيا في الأسبوع الثالث من سيطرة كورونا

الكاتبة نوال السباعي

كتبت الدكتورة نوال السباعي
عن الحالة الكورونية والبشر والإنسان:
ثلاثة أسابيع، مضت، في هذا الحجر الصحي، أو الإقامة الجبرية، أو السجن “المرفه”..
وهو سجن مرفه في كل الأحوال، يمكنك أن تتمتع فيه بالأكل والشرب والاتصالات، والكهرباء والماء والدواء .. وإن كان لا يخلو من أدوات- سأترك الحديث عنها الى وقفة قادمة-، وآليات للتعذيب، وهذه الأخيرة ، جاءت دون حساب ولا تقدير من السلطات المختصة، بحيث تم حجر الأطفال مع الأمهات والآباء في بيوت صغيرة لا يعرف فيها هؤلاء ، ماذا يفعلون مع أطفالهم، الذين طالما تركوهم في الحضانات والمدارس ليتخلصوا من أعباء تربيتهم وتوجيههم واحتمال التعايش “الطبيعي” معهم تحت سقف واحد! كذلك حُجر اليافعين واليافعات، والذين اعتادوا الحياة خارج البيوت، ومع شلل الأصدقاء، يتسكعون في الأسواق التجارية والمقاهي وتجمعات السُّكر والمخدرات، والتي تتراوح جودتها ودرجة خطورتها، حسب الأحياء والطبقات الاجتماعية والاقتصادية التي ينتمي إليها هؤلاء الأولاد، الذي يمضي كل منهم في الحياة و”يا أرض اشتدي ما حدا مثلي”، ليجدوا أنفسهم في زمن الكورونا، في إقامة جبرية تمنعهم من استعراض عضلات جنون مراهقتهم، وتكبر أنانيتهم.
ثم يأتي حجر كبار السن من الذين استنفذوا مهامهم في خدمة مجتمعاتهم وأسرهم وتربية أولادهم ثم أحفادهم، حُجِروا الآن وحدهم في بيوتهم، التي كانوا محجورين فيها أصلاً، بعيداً عن أبنائهم، وأحفادهم، يعيشون وحدهم، يشترون حاجياتهم وحدهم، يوطدون علاقاتهم فيما بينهم، لدى الخروج إلى السوق، أو التشمس عصراً في الحدائق، يستعينون بالخدمات الإجتماعية التي توفرها الدولة ، من طبابة أو مساعدات منزلية، يعيشون وحدهم، يأكلون وحدهم، يمرضون وحدهم، يتألمون وحدهم، ويموتون وحدهم .. الأبناء غادروا بيوت الآباء، وهم في شغلهم لا يكادون يجدون الوقت للتواصل معهم إلا للإطمئنان والسؤال السريع، والذي أراحتهم منه خدمة الواتساب ، يكفي الأم والأب قلب ووردة ! وربما إن اشتد الأمر رسالة صوتية ، وكفى الله الأبناء عبء تحمل شكاوى وأنين الآباء والأمهات.. وبما سافر هؤلاء الأبناء طلبا للعلم أو الرزق، في زمن التسهيلات الكبيرة للسفر والتنقل، وتوزعوا في قارات الأرض، لا يأتون لزيارة آبائهم إلا في أعياد الميلاد ، ولا يتواصلون إلا عبر كاميرات الكومبيوترات والهواتف “الغبية”.
لا عجب أن ضرب الوباء أول ما ضرب دور المُسنين، وهي اختراع أوربي بامتياز، تمّ تصديره إلى بلاد العالم، وكأنه فتحٌ تفتقت عنه أفكارٌ شيطانية ، جعلت من الإنسان “قمامة بشرية” في آخر حياته، الكل يريدون التخلص منها و بأي شكل ، فأتى “الكورونا بيه” الناس بما كانوا يُضمرونه، يحصد الموت أرواح الأجداد والجدات والآباء والأمهات، المتروكين في دور “رعاية” العجزة، بانتظار موتهم!
جاءهم الموت الآن، والكل في حالة صدمة ورعب وتأنيب ضمير .. بكاء وعويل على أبواب هذه الدور المريعة، وغضب وشعور بالعجز الشديد في مواجهة بعض النتائج المترتبة عن هذا النظام الاجتماعي ، الكلّ فيه ظالمون، والكل فيه مظلومون!
الكل يبكي كباره.. الآن، الكل يريد أن يبلغ عن المستشفيات والأطباء الذين يقدمون العناية لصغار السن، بدلاً عن تقديمها لكبارهم، كما تُروّج وسائل التواصل الإجتماعي، دبت فيهم روح رحمة أرحامهم على حين غرة .. كما يفعل الموت دائماً ، يقرب البعيد، ويمنحك شعوراً آنياً برأب الصدع، ويهب الأحياء قدرة عجيبة على النسيان الفوري، أو التذكر الفوري، لسيئات هذا الراحل، أو حسناته.
لا يستوعب الناس، أن نظام بلادهم الصحي المتفوق جداً، أصبح كسيحاً في مواجهة فيروس واحد! كشف عوار هذا الهيكل الإجتماعي الذي يعتبر أحد أهم وأعظم منجزات المدنية الغربية في القرنين الأخيرين.. بحيث لا يمكننا الغوص في كل ما نعيشه من آلام إنسانية عابرة للحدود والقوميات والبلدان والمدنيات والمجتمعات، التي فُرِض عليها هذا النموذج الاجتماعي الغربي الاستعماري، بسطوة الاستعمار العسكري، أو استنسخته بحذافيره، بمحض إرادتها، في زمن الغزو الثقافي والفكري الشامل.
لا يمكننا الغوص في هذه “الآليات” الإجتماعية ، لأن هذا يقتضي تفكيك أبجدياتها كلها، التربوية والفكرية والثقافية والإنسانية، وتفكيك أبجدياتها في هذا الزمن الكوروني الذي يفوق زمن الإنترنت سرعة واختصاراً وتركيزاً للحوادث والأشياء والمشاعر ..يعني التفجير الانتحاري الاستباقي!
انتشار آفات اجتماعية بالغة الخطورة، مثل سوء معاملة الرجال للنساء، قتل النساء في بيوتهن على أيدي الرجل الذي يعيش معهن، تنمر النساء وتفاقم وضع النسويات كحركة اجتماعية فكرية بالغة الخطورة، انتشار الشذوذ الجنسي، وفرضه كخيار بشري حتى على الأطفال، انتشار الهدم الأسري، تهميش كبار السن، عبادة الجسد، وتقييم المرء على هذا الأساس أولاً وقبل كل شيء.
كل هذه الأمراض التي تفتك اليوم بالبشر جميعاً وليس بالمجتمعات الغربية فحسب، يمكننا أن نجد جذورها في دعائم قيام المجتمع وفق الفلسفة الغربية المعاصرة، ومن ذلك نموذج الزواج الكنسي الذي فُرض في أنحاء الأرض على البشر، والذي يجعل الزواج شبه مؤبد، والطلاق شبه مستحيل، نموذج الأسرة ثنائية القطب، الرجل فيها ليس رجلاً و لا أباً، بينما المرأة فيها امرأة ورجلا وأما وأبا، نموذج النظام الاقتصادي الأسري الذي يجرد المرأة من إنسانيتها وكامل حقوقها مالم تكن عاملة منتجة وسوبر امرأة، ولا يعتبر الأمومة عملاً إنتاجياً أساسياً في الأسرة والمجتمع، نموذج الأسر المختصرة، التي تخلصت بداية من كبارها، نفتهم إلى دور العجزة، بعد أن أصبح للإنسان المعاصر في الدول التي تُعتبر دولاً متمدنة مزدهرة أربعة مراحل عمرية، وليس ثلاثا ، حرّمت على الناس العيش بكرامتهم البشرية، وتلبية حاجاتهم الطبيعية، بسبب هذا النظام الاجتماعي الفاجر، الذي يمنح الحقوق الاجتماعية والفردية الاقتصادية والسياسية، ويسلب من الناس حقهم في الحياة الطبيعية .
وجب التنويه بأن الكرامة البشرية ، تختلف عن الكرامة الإنسانية !
ثم تخلصت هذه المجتمعات من الذُرية، فأخّرت سن الإنجاب ضمن هذه المنظومة الاجتماعية الاقتصادية ، عند النساء إلى الأربعين، وقلّصت عدد المواليد، بحيث بلغت نسبة الإنجاب خلال العقدين الأخيرين في بلد كإسبانيا إلى 1.2% من الأولاد لكل امرأة.
لا أستطيع الغوص أكثر من هذا في تفكيك آليات فهم طبيعة الوضع الاجتماعي العام، الذي تعيشه هذه البلاد، علماً أن إسبانيا، تعتبر حالة متوسطة، بين (ماتعيشه بلادنا، من تخبط رهيب بين ما استوردته من هذه الآليات الاجتماعية الغربية الاستعمارية، وبين ما تقتضيه هويتنا الحضارية من آليات تختلف فلسفتها الإنسانية والبشرية عن هذه جملة وتفصيلا)، وبين (ما تعيشه دول أوربا الشمالية وروسيا مثلا، من كسادٍ عاطفي، وبشرية بهيمية، وتقهقر إنساني خطير).
في هذه السياقات كلها، وفي ظل الحالة الكورونية الحالية، يجد الأطباء أنفسهم في حالة عجز مؤلمة، وهم يتعاملون مع كل هذه الحالات التي بين أيديهم، حيث يجب على الطبيب نفسه، أن يختار بأي من المرضى عليه أن يبدأ، ومَن مِن هؤلاء المرضى عليه أن ينقذ أولاً …
وإذا كان لا يملك إلا جهازا واحدا للتنفس الاصطناعي، فهل يخصصه لجدّة في الثمانين،أم لامرأة حامل في الأربعين، أم لشاب في العشرين من عمره؟؟!!
وعلى الرغم من ذلك، فإن وسائل الإعلام، ويومياً تنشر صورا لمسنيين في التسعين وما فوق التسعين من أعمارهم، تجاوزوا الإصابة بالكورونا، وتعافوا وخرجوا من المستشفيات وسط تصفيق الطواقم الطبية، التي تغرقهم بمشاعر الرأفة والمودة.
هناك شعرة دقيقة، بين تلبية متطلباتنا البشرية، والتي يسميها فرويد “غرائز حيوانية” والتي منها غريزة البقاء، أي غريزة الاستمرار في الحياة، وبين “إنسانيتنا” ، التي تتطلب الارتقاء على الغرائز، والتحقق بانضباط أخلاقي، يمنح البشر القدرة على تجاوز الحيوانية والتوحش.

5.4.2020

يذكر ان عدد الاصابات المؤكدة في اسبانيا بلغ اليوم : 130,759 إضابة
وبلغ عدد من شفي من الاصابة : 38,080
فيما بلغ عدد الوفيات : 12,418

اترك رد

scroll to top